السبت, 30 تشرين2/نوفمبر 2013 00:29

مقلب أمريكاني

كتبته 

كان قرارى السفر لحضور مؤتمر الثورة الأول فى واشنطن قرارا خاطئا بكل المقاييس، وإن كان قد أضاف إلى خبرتى الشخصية، فنحن حقا نتعلم من أخطائنا أكثر مما نتعلم من نجاحاتنا. سافرت وأنا أعلم أن أمريكا ليست إلا «أرتيكاريا» كبيرة لكل مصرى وطنى أو حتى مدّعٍ للوطنية كأنها بيت الأشباح المشبوه، وأن كل من يذهب هناك لا بد أن يكون خائنا يستحق الصلب، ولكننى منذ أن قررت الإعلان عن نيتى الترشح للرئاسة مصممة على أن ألتقى المصريين وأن أذهب إليهم فى كل مكان، وهذا هو الدافع الذى من أجله ذهبت إلى كفر حميد بالعياط-جيزة، وهو ذات الدافع الذى ذهبت من أجله إلى واشنطن… سذاجة منى إلى حد ما، لا أنكر، ولكننى ذهبت، ويا ليتنى ما ذهبت، إذ رغم وجودى بين أغلبية مصرية لا أعرف سر ذلك الإحساس الذى غمرنى بأنى فى قرية مخابراتية، أنا بين مصريين ولكنهم مختلفون عن عقلية شباب الثورة التى أعرفها، عدد منهم ليسوا إلا موظفين رسميين فى الجهات الحكومية الأمريكية بما فى ذلك البنتاجون والخارجية الأمريكية، بل وأجهزة استخباراتية أيضا، طلب بعضهم منى لقاءات منفردة فى أروقة المؤتمر، لكننى توجست ورفضت. أزعجنى تنظيم المؤتمر، ولقد اشتممت فى تنظيمه رائحة «عبده مشتاق» الذى يريد فى شىء من السذاجة المكشوفة أن يهبش نصيبا من مناصب مصرية رفيعة بعد الثورة. ذهبت إلى واشنطن لأتكلم مع المصريين، لم يكن فى أجندتى الهجوم على أحد ما أو جهة ما ولا حتى المجلس العسكرى، ولكن أجندتى كانت مصر وأحوالها ولفت الأنظار إلى مبادئ عامة تتعلق بالدفاع عن النشطاء ونقد الحكم العسكرى على إطلاقه والاعتراض على القوانين الاستثنائية والمحاكمات العسكرية للمدنيين، وهى أمور لا جديد فيها لمصر منذ أكثر من ستين عاما، وكان من الواجب أن لا تستمر بعدما ظننا أن شمس الحرية قد أشرقت على مصر بعد الثورة، كنت حريصة جدا على رأب أى صدع محتمَل بين المسلمين والمسيحيين قد يتسبب فيه عدم الفهم الكامل لخلفيات أحداث ماسبيرو، أردت أن أؤكد أننا فى مصر رغم كل شىء نعيش شعبا واحدا فى وطن واحد، وأن مصر بخير دوما إن شاء الله. أردت أن أتواصل فوجدت نفسى أتجنب وأتباعد، ولولا جماهير الحضور من المصريين العاديين الذين أتوا من مناطق عديدة من أمريكا متحملين مشقة السفر لمجرد أنهم سمعوا أن هناك مؤتمر مصر الثورة وشباب مصرى مغترب ترك عمله ومصدر رزقه سافر بالسيارات لساعات طويلة لحضور مؤتمر مصر الثورة، لولا كل هؤلاء لكانت رحلتى إلى واشنطن كارثة كبيرة لا مجرد غلطة أو خطأ. ولكننى فى كل الأحوال تمسكت بنصيحة ذكية بأن لا أقول أكثر مما يُكتب فى الجرائد ويعلمه الجميع، واللى زاد وغطّى تضييق شديد على الأفكار ومصادرة للأراء، كأن المطلوب أن يسير المؤتمر فى اتجاه بعينه، سوء تنظيم إدارى، عدم اطمئنان للنيات، ارتباك، إرهاق ونقص شديد فى النوم… هكذا سيطرت علىّ حالة ضيق لا تقاوَم، فوجدت نفسى أنتفض وقوفا فى إحدى الجلسات معلنة انسحابى منها باحثة بكل قوتى عن باب الخروج من تلك القاعة الخانقة التى يسودها عدم الارتياح، وما لبثت الساعات التالية أن أثبتت صدق حدسى إذ تغير البيان بقدرة قادر بعد أن كان يوصى باحترام الحريات وبسرعة فى إنهاء الحكم العسكرى وتسليم السلطة لحكومة مدنية والكف عن الاعتقالات والمحاكمات العسكرية وحق المصريين فى الخارج فى التصويت، فجأة يصدر بيان استباقى أصدره نائب رئيس المؤتمر من عندياته نشرته الصحف يشيد فيه بالمجلس العسكرى وبالمشير طنطاوى باسم الجالية المصرية فى فلوريدا محييا أداءه على طريقة الحزب الوطنى الحاكم! لم يسعدنى كثيرا مشوار واشنطون، وبصراحة فقد قمت به خارج الحسابات الانتخابية التى يحسب حسابها عادة المرشحون المحترفون جدا، التى بصراحة أيضا، ليست هى ما يشغلنى كل الوقت، ولا حتى نصفه أمام فرصة تغرى بانتهازها للقاء المصريين أينما حلّوا، وبصراحة أشد، وبحسابات امرأة تخشى كثيرا على مصروف البيت والاقتصاد فى النفقات، فإن أشد ما غاظنى وأصابنى بالكمد الشديد هو النفقات التى تكبدتها من جيبى من تذاكر سفر وقهوة وشاى وطعام وشراب! اختنقت فى واشطن من جيبى، ناهيك بأنى اتُّهمت بالخيانة والعمالة، وهذا أمر مؤلم طبعا، ولكن سيبك من حكاية الخيانة دى! فأن يكون هذا الاتهام على حسابى ومن حر مالى أيضا فهذا ألم وكمد وغيظ أكبر حتى من كل تهم الخيانة فى الدنيا، فأنا فى النهاية مكتفية باطمئنان ضميرى إلى أنى أحب وطنى وأخلص له، ولكن غاظنى حقا كأى ست مصرية من أى بيت مصرى أن ينضحك عليا فى فلوسى، وهى ليست كثيرة جدا، دون حتى أن أحظى بفرصة الفصال والمناهدة كأى ست مصرية أصيلة!

تم قراءته 353 مره
بثينه كامل

اعلامية وناشطة سياسية بدات عملها السياسى عام2004 وشاركت فى العديد من المظاهرات وكانت اولها مظاهرة احتجاجية على هتك عرض وضرب الصحفيين واطاح بها نظام مبارك من عملها بالتليفزيون المصرى نتيجة معارضتها للنظام وكشف قضابا الفساد

المزيد عن بثينه كامل

شوف

شارك

تابع

You are here

Facebook

Twitter

Google Plus

YouTube